أبي عبد الله حميدان بن يحيى القاسمي
102
مجموع السيد حميدان
خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ [ الإنسان : 2 ] ، وقال تعالى : الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [ الملك : 2 ] ، وقال : وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً [ الأنبياء : 35 ] . وقال تعالى في بلوى المفاضلة : وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ [ الأنعام : 165 ] ، وقال : وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَ هؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا [ الأنعام : 53 ] ، وهذا موضع الفائدة من هذا الفصل ، وهو التنبيه على معرفة عظم هذه البلية التي لأجلها هلك أكثر الأولين والآخرين . وأما بيان وجه الحكمة في الابتلاء ؛ فهو ما أخبر اللّه سبحانه به من التمييز بين المطيعين والعاصين بما « 1 » يظهر عند البلوى من أسرارهم ؛ لأنه سبحانه لحكمته لا يعذب على ما يعلم من معاصي العباد قبل ظهورها ، وظهورها لا يكون إلا بالامتحان كما قال سبحانه : ألم ( 1 ) أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ ( 2 ) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ ( 3 ) [ العنكبوت ] ، وقال : ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ [ آل عمران : 179 ] . ومن أمثلة ذلك : ما حكى سبحانه من امتحانه للملائكة بإيجاب السجود من أجل آدم ؛ فسجدوا إلا إبليس . وامتحانه لأصحاب طالوت بتحريم الشرب من النهر [ فشربوا إلا قليلا منهم « 2 » ] ، وامتحانه لأصحاب القرية بتحريم صيد يوم السبت . وامتحانه لقوم موسى بمغيبه عنهم ، واستخلافه لهارون فيهم ، وأشباه ذلك مما يدل على أنه سبحانه يمتحن أهل كل عصر إلى يوم القيامة بما يميز بينهم ، ويوجب له الحجة عليهم ،
--> ( 1 ) - نخ ( ب ) : مما . ( 2 ) - زيادة من نخ ( ب ، ج ) .